Verset 28
وما احتاج الأمر إلى إنزال جند من السماء لعذابهم بعد قتلهم الرجل الناصح لهم وتكذيبهم رسلهم، فهم أضعف من ذلك وأهون، وما كنا منزلين الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم، بل نبعث عليهم عذابًا يدمِّرهم.
Je suis heureux de présenter à nos visiteurs cette nouvelle version de Le-Coran.com. Elle conserve les fonctionnalités que vous utilisez déjà au quotidien, tout en apportant une interface plus claire, plus rapide... et mieux adaptée à la lecture sur mobile comme sur ordinateur.
Cette version corrige aussi le bug audio qui touchait ces derniers temps la récitation de Mishary Al Afasy. Nous sommes désolés pour le désagrément causé.
Plusieurs nouveautés ont été ajoutées : amélioration du design, lecture plus confortable du Coran, mode mushaf amélioré, tajwīd coloré, mot à mot, recherche enrichie, nouveaux outils d'apprentissage et de mémorisation, ainsi que des améliorations pour l'espace membre. La lecture Warsh est également en cours d'intégration et devrait arriver dans les prochaines heures ou les prochains jours. Il est aussi possible de signaler une publicité qui se serait échappée de nos filtres, et bien d'autres améliorations ont été apportées. Bien sûr, le tout reste 100% gratuit, comme depuis 13 ans maintenant, et pour toujours incha'Allah.
Tout va être testé et amélioré dans les prochains jours, et aussi les prochaines nuits, en fonction de vos retours. Si vous remarquez un bug, une gêne d'utilisation ou une amélioration possible, n'hésitez pas à nous contacter via le nouveau formulaire de contact.
Qu'Allah rende ce travail utile et bénéfique.
YASSINE (YAS-IN) · 357 versets · YASSINE (YAS-IN) 36:28 -> AZ-ZUMAR 39:31
Le saviez-vous ? Touchez un verset ou un mot pour afficher ses options (écouter, traduction, marque-page…).
وما احتاج الأمر إلى إنزال جند من السماء لعذابهم بعد قتلهم الرجل الناصح لهم وتكذيبهم رسلهم، فهم أضعف من ذلك وأهون، وما كنا منزلين الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم، بل نبعث عليهم عذابًا يدمِّرهم.
ما كان هلاكهم إلا بصيحة واحدة، فإذا هم ميتون لم تَبْقَ منهم باقية.
يا حسرة العباد وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، ما يأتيهم من رسول من الله تعالى إلا كانوا به يستهزئون ويسخرون.
ألم ير هؤلاء المستهزئون ويعتبروا بمن قبلهم من القرون التي أهلكناها أنهم لا يرجعون إلى هذه الدنيا؟
وما كل هذه القرون التي أهلكناها وغيرهم، إلا محضرون جميعًا عندنا يوم القيامة للحساب والجزاء.
ودلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله على البعث والنشور: هذه الأرض الميتة التي لا نبات فيها، أحييناها بإنزال الماء، وأخرجنا منها أنواع النبات مما يأكل الناس والأنعام، ومن أحيا الأرض بالنبات أحيا الخلق بعد الممات.
وجعلنا في هذه الأرض بساتين من نخيل وأعناب، وفجَّرنا فيها من عيون المياه ما يسقيها.
كل ذلك؛ ليأكل العباد من ثمره، وما ذلك إلا من رحمة الله بهم لا بسعيهم ولا بكدِّهم، ولا بحولهم وبقوتهم، أفلا يشكرون الله على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعدُّ ولا تحصى؟
تنزَّه الله العظيم الذي خلق الأصناف جميعها من أنواع نبات الأرض، ومن أنفسهم ذكورًا وإناثًا، ومما لا يعلمون من مخلوقات الله الأخرى. قد انفرد سبحانه بالخلق، فلا ينبغي أن يُشْرَك به غيره.
وعلامة لهم دالة على توحيد الله وكمال قدرته: هذا الليل ننزع منه النهار، فإذا الناس مظلمون.
وآية لهم الشمس تجري لمستقر لها، قدَّره الله لها لا تتعداه ولا تقصر عنه، ذلك تقدير العزيز الذي لا يغالَب، العليم الذي لا يغيب عن علمه شيء.
وجعلنا القمرَ آية في خلقه، وقدَّرناه منازل كل ليلة: يبدأ هلالًا ضئيلًا حتى يكمُلَ قمرًا مستديرًا، ثم يرجعُ ضئيلًا مثل عِذْق النخلة المتقوس في الرقة والانحناء والصُّفْرة؛ لقدمه ويُبْسه.
لكل من الشمس والقمر والليل والنهار وقت قدَّره الله له لا يتعدّاه، فلا يمكن للشمس أن تلحق القمر فتمحو نوره، أو تغير مجراه، ولا يمكن للَّيل أن يسبق النهار، فيدخل عليه قبل انقضاء وقته، وكل من الشمس والقمر والكواكب في فلك يَجْرون.
ودليل لهم وبرهان على أن الله وحده المستحق للعبادة، المنعم بالنعم، أنّا حملنا مَن نجا مِن ولد آدم في سفينة نوح المملوءة بأجناس المخلوقات؛ لاستمرار الحياة بعد الطوفان.
وخلقنا لهؤلاء المشركين وغيرهم مثل سفينة نوح من السفن وغيرها من المراكب التي يركبونها وتبلِّغهم أوطانهم.
وإن نشأ نغرقهم، فلا يجدون مغيثًا لهم مِن غرقهم، ولا هم يخلصون من الغرق.
إلا أن نرحمهم فننجيهم ونمتعهم إلى أجل؛ لعلهم يرجعون ويستدركون ما فرَّطوا فيه.
وإذا قيل للمشركين: احذروا أمر الآخرة وأهوالها وأحوال الدنيا وعقابها؛ رجاء رحمة الله لكم، أعرضوا ولم يجيبوا إلى ذلك.
وما تجيء هؤلاء المشركين من علامة واضحة من عند ربهم؛ لتهديهم للحق، وتبيِّن لهم صدق الرسول، إلا أعرضوا عنها، ولم ينتفعوا بها.
وإذا قيل للكافرين: أنفقوا من الرزق الذي مَنَّ به الله عليكم، قالوا للمؤمنين مُحْتجِّين: أنطعم من لو شاء الله أطعمه؟ ما أنتم -أيها المؤمنون- إلا في بُعْدٍ واضح عن الحق؛ إذ تأمروننا بذلك.
ويقول هؤلاء الكفار على وجه التكذيب والاستعجال: متى يكون البعث إن كنتم صادقين فيما تقولونه عنه؟
ما ينتظر هؤلاء المشركون الذين يستعجلون بوعيد الله إياهم إلا نفخة الفَزَع عند قيام الساعة، تأخذهم فجأة، وهم يختصمون في شؤون حياتهم.
فلا يستطيع هؤلاء المشركون عند النفخ في «القَرْن» أن يوصوا أحدًا بشيء، ولا يستطيعون الرجوع إلى أهلهم، بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم.
ونُفِخ في «القَرْن» النفخةُ الثانية، فتُرَدُّ أرواحهم إلى أجسادهم، فإذا هم من قبورهم يخرجون إلى ربهم سراعًا.
قال المكذبون بالبعث نادمين: يا هلاكنا مَن أخرجنا مِن قبورنا؟ فيجابون ويقال لهم: هذا ما وعد به الرحمن، وأخبر عنه المرسلون الصادقون.
ما كان البعث من القبور إلا نتيجة نفخة واحدة في «القَرْن»، فإذا جميع الخلق لدينا ماثلون للحساب والجزاء.
في ذلك اليوم يتم الحساب بالعدل، فلا تُظْلم نفس شيئًا بنقص حسناتها أو زيادة سيئاتها، ولا تُجْزون إلا بما كنتم تعملونه في الدنيا.
إن أهل الجنة في ذلك اليوم مشغولون عن غيرهم بأنواع النعيم التي يتفكهون بها.
هم وأزواجهم متنعمون بالجلوس على الأسرَّة المزيَّنة، تحت الظلال الوارفة.
لهم في الجنة أنواع الفواكه اللذيذة، ولهم كل ما يطلبون من أنواع النعيم.
ولهم نعيم آخر أكبر حين يكلمهم ربهم، الرحيم بهم بالسلام عليهم. وعند ذلك تحصل لهم السلامة التامة من جميع الوجوه.
ويقال للكفار في ذلك اليوم: تميَّزوا عن المؤمنين، وانفصلوا عنهم.
ويقول الله لهم -توبيخًا وتذكيرًا-: ألم أُوصكم على ألسنة رسلي أن لا تعبدوا الشيطان ولا تطيعوه؟ إنه لكم عدو ظاهر العداوة.
وأمرتكم بعبادتي وحدي، فعبادتي وطاعتي ومعصية الشيطان هي الدين القويم الموصل لمرضاتي وجنّاتي.
ولقد أضلَّ الشيطان عن الحق منكم خلقًا كثيرًا، أفما كان لكم عقل -أيها المشركون- ينهاكم عن اتباعه؟
هذه جهنم التي كنتم توعدون بها في الدنيا على كفركم بالله وتكذيبكم رسله.
ادخلوها اليوم وقاسوا حرَّها؛ بسبب كفركم.
اليوم نطبع على أفواه المشركين فلا ينطقون، وتُكلِّمنا أيديهم بما بطشت به، وتشهد أرجلهم بما سعت إليه في الدنيا، وكسبت من الآثام.
ولو نشاء لطمسنا على أعينهم بأن نُذْهب أبصارهم، كما ختمنا على أفواههم، فبادَروا إلى الصراط ليجوزوه، فكيف يتحقق لهم ذلك وقد طُمِست أبصارهم؟
ولو شئنا لَغَيَّرنا خلقهم وأقعدناهم في أماكنهم، فلا يستطيعون أن يَمْضوا أمامهم، ولا يرجعوا وراءهم.
ومن نُطِلْ عمره حتى يهرم نُعِدْه إلى الحالة التي ابتدأ منها حالة ضعف العقل وضعف الجسد، أفلا يعقلون أنَّ مَن فعل مثل هذا بهم قادر على بعثهم؟
وما علَّمنا رسولنا محمدًا الشعر، وما ينبغي له أن يكون شاعرًا، ما هذا الذي جاء به إلا ذكر يتذكر به أولو الألباب، وقرآن بيِّن الدلالة على الحق والباطل، واضحة أحكامه وحِكَمه ومواعظه؛ لينذر مَن كان حيَّ القلب مستنير البصيرة، ويحق العذاب على الكافرين بالله؛ لأنهم قامت عليهم بالقرآن حجة الله البالغة.
أولم ير الخلق أنا خلقنا لأجلهم أنعامًا ذللناها لهم، فهم مالكون أمرها؟
وسخَّرناها لهم، فمنها ما يركبون في الأسفار، ويحملون عليها الأثقال، ومنها ما يأكلون.
ولهم فيها منافع أخرى ينتفعون بها، كالانتفاع بأصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ولباسًا، وغير ذلك، ويشربون ألبانها، أفلا يشكرون الله الذي أنعم عليهم بهذه النعم، ويخلصون له العبادة؟
واتخذ المشركون من دون الله آلهة يعبدونها؛ طمعًا في نصرها لهم وإنقاذهم من عذاب الله.
لا تستطيع تلك الآلهة نصر عابديها ولا أنفسهم ينصرون، والمشركون وآلهتهم جميعًا محضرون في العذاب، متبرئ بعضهم من بعض.
فلا يَحْزُنك -أيها الرسول- كفرهم بالله وتكذيبهم لك واستهزاؤهم بك؛ إنا نعلم ما يخفون وما يظهرون، وسنجازيهم على ذلك.
أولم ير الإنسان المنكر للبعث ابتداء خلقه فيستدل به على معاده، أنا خلقناه من نطفة مرَّت بأطوار حتى كَبِر، فإذا هو كثير الخصام واضح الجدال؟
وضرب لنا المنكر للبعث مثلًا لا ينبغي ضربه، وهو قياس قدرة الخالق بقدرة المخلوق، ونسي ابتداء خلقه، قال: مَن يحيي العظام البالية المتفتتة؟
قل له: يحييها الذي خلقها أول مرة، وهو بجميع خلقه عليم، لا يخفى عليه شيء.
الذي أخرج لكم من الشجر الأخضر الرطب نارًا محرقة، فإذا أنتم من الشجر توقدون النار، فهو القادر على إخراج الضد من الضد. وفي ذلك دليل على وحدانية الله وكمال قدرته، ومن ذلك إخراج الموتى من قبورهم أحياء.
أوليس الذي خلق السموات والأرض وما فيهما بقادر على أن يخلق مثلهم، فيعيدهم كما بدأهم؟ بلى، إنه قادر على ذلك، وهو الخلّاق لجميع المخلوقات، العليم بكل ما خلق ويَخْلُقُ، لا يخفى عليه شيء.
إنما أمره سبحانه وتعالى إذا أراد شيئًا أن يقول له: «كن» فيكون، ومن ذلك الإماتة والإحياء، والبعث والنشور.
فتنزه الله تعالى وتقدس عن العجز والشرك، فهو المالك لكل شيء، المتصرف في شؤون خلقه بلا منازع أو ممانع، وقد ظهرت دلائل قدرته، وتمام نعمته، وإليه تُرجعون للحساب والجزاء.
• سميت الصّافّات؛ لافتتاحها بقَسَم الله بالصافات؛ وهم الملائكة الكرام.
من مقاصد السورة• إثباتُ وحدانية الله تعالى، وسَوقُ الدلائل الكثيرة على انفراده - عز وجل - بخلق المخلوقات العظيمة؛ كالعوالم السماوية والأرضية وما فيهما.
• ذكر بعض مواقف المشركين؛ كإنكارهم البعثَ، واتهامهم الرسولَ ﷺ بالسحر، ومقابلةِ دعوته بالسخرية والتهكُّم.
• إثبات البعث وما يعقبه من الجزاء، ووصفُ حال المشركين في ذلك اليوم، وما أُعِدَّ لهم من العذاب الأليم، ووصفُ نعيمِ المؤمنين، وما أُعِدَّ لهم من طَيِّب الطعام والشراب والأزواج.
• عرض قصص المرسلين مع أقوامهم، وكيف نصر الله رسلَه، ورفعَ شأنَهم، وباركَ عليهم، ووصفُ ما حلَّ بالأمم التي كذبت الرسل.
• بيان فساد معتقدات المشركين في الألوهية، ونسبتِهم الشركاء إلى الله، وزعمهم بأن الملائكةَ بناتُ الله، وبيانُ منزلة الملائكة وحقيقتهم.
[التفسير]أقسم الله تعالى بالملائكة تصف في عبادتها صفوفًا متراصة، وبالملائكة تزجر السحاب وتسوقه بأمر الله، وبالملائكة تتلو ذكر الله وكلامه تعالى. إن معبودكم -أيها الناس- لواحد لا شريك له، فأخلصوا له العبادة والطاعة. ويقسم الله بما شاء مِن خلقه، أما المخلوق فلا يجوز له القسم إلا بالله، فالحلف بغير الله شرك.
هو خالق السموات والأرض وما بينهما، ومدبِّر الشمس في مطالعها ومغاربها.
إنّا زينّا السماء الدنيا بزينة هي النجوم.
وحفظنا السماء بالنجوم مِن كل شيطان متمرِّد عاتٍ رجيم.
لا تستطيع الشياطين أن تصل إلى الملأ الأعلى، وهي السموات ومَن فيها مِن الملائكة، فتستمع إليهم إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى مِن شرعه وقدَره، ويُرْجَمون بالشهب من كل جهة؛ طردًا لهم عن الاستماع، ولهم في الدار الآخرة عذاب دائم موجع.
إلا مَنِ اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة يسمعها من السماء بسرعة، فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه الشهاب المضيء قبل أن يلقيها، وربما ألقاها بقَدَر الله تعالى قبل أن يأتيه الشهاب، فيحرقه فيذهب بها الآخر إلى الكهنة، فيكذبوا معها مائة كذبة.
فاسأل -أيها الرسول- منكري البعث أَهُم أشد خلقًا أم من خلقنا من هذه المخلوقات؟ إنا خلقنا أباهم آدم من طين لزج، يلتصق بعضه ببعض.
بل عجبتَ -أيها الرسول- من تكذيبهم وإنكارهم البعث، وأعجبُ من إنكارهم وأبلغ أنهم يستهزئون بك، ويسخرون من قولك.
وإذا ذكِّروا بما نسوه أو غَفَلوا عنه لا ينتفعون بهذا الذكر ولا يتدبَّرون.
وإذا رأوا معجزة دالَّة على نبوَّتك يسخرون منها ويعجبون.
وقالوا: ما هذا الذي جئت به إلا سحر ظاهر بيِّن. أإذا متنا وصِرْنا ترابًا وعظامًا بالية أإنا لمبعوثون من قبورنا أحياء، أو يُبعث آباؤنا الذين مضَوا من قبلنا؟
قل لهم -أيها الرسول-: نعم سوف تُبعثون، وأنتم أذلاء صاغرون.
فإنما هي نفخة واحدة، فإذا هم قائمون من قبورهم ينظرون أهوال يوم القيامة.
وقالوا: يا هلاكنا هذا يوم الحساب والجزاء.
فيقال لهم: هذا يوم القضاء بين الخلق بالعدل الذي كنتم تكذبون به في الدنيا وتنكرونه.
ويقال للملائكة: اجمَعُوا الذين كفروا بالله ونظراءهم، وآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، فسوقوهم سوقًا عنيفًا إلى جهنم، واحبسوهم قبل أن يصلوا إلى جهنم؛ إنهم مسؤولون عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدنيا، مساءلة إنكار عليهم وتبكيت لهم.
ويقال لهم توبيخًا: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضًا؟
بل هم اليوم منقادون لأمر الله، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه، غير منتصرين لأنفسهم.
وأقبل بعض الكفار على بعض يتلاومون ويتخاصمون.
قال الأتباع للمتبوعين: إنكم كنتم تأتوننا من قِبَل الدين والحق، فتهوِّنون علينا أمر الشريعة، وتُنَفِّروننا عنها، وتزينون لنا الضلال. وقال المتبوعون للتابعين: ما الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان.
وما كان لنا عليكم من حجة أو قوَّة، فنصدكم بها عن الإيمان، بل كنتم -أيها المشركون- قومًا طاغين متجاوزين للحق.
فلزِمَنا جميعًا وعيد ربنا، إنا لذائقو العذاب، نحن وأنتم، بما قدمنا من ذنوبنا ومعاصينا في الدنيا.
فأضللناكم عن سبيل الله والإيمان به، إنا كنا ضالين من قبلكم، فهلكنا؛ بسبب كفرنا، وأهلكناكم معنا.
فإن الأتباع والمتبوعين مشتركون يوم القيامة في العذاب، كما اشتركوا في الدنيا في معصية الله.
إنا هكذا نفعل بالذين اختاروا معاصي الله في الدنيا على طاعته، فنذيقهم العذاب الأليم.
إن أولئك المشركين كانوا في الدنيا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله، ودُعوا إليها، وأُمروا بترك ما ينافيها، يستكبرون عنها وعلى من جاء بها.
ويقولون: أنترك عبادة آلهتنا لقول رجل شاعر مجنون؟ يعنون رسول الله ﷺ.
كذَبوا، ما محمد كما وصفوه به، بل جاء بالقرآن والتوحيد، وصدَّق المرسلين فيما أخبروا به عنه من شرع الله وتوحيده.
إنكم -أيها المشركون- بقولكم وكفركم وتكذيبكم لذائقو العذاب الأليم الموجع.
وما تجزون في الآخرة إلا بما كنتم تعملونه في الدنيا من المعاصي.
إلا عباد الله تعالى الذين أخلصوا له في عبادته، فأخلصهم واختصهم برحمته؛ فإنهم ناجون من العذاب الأليم. أولئك المخلَصون لهم في الجنة رزق معلوم لا ينقطع. ذلك الرزق فواكه متنوعة، وهم مكرمون بكرامة الله لهم في جنات النعيم الدائم.
ومن كرامتهم عند ربهم وإكرام بعضهم بعضًا أنهم على سرر متقابلين فيما بينهم.
يدار عليهم في مجالسهم بكؤوس خمر، من أنهار جارية، لا يخافون انقطاعها، بيضاءَ في لونها، لذيذةٍ في شربها، ليس فيها أذى للجسم ولا للعقل.
وعندهم في مجالسهم نساء عفيفات، لا ينظرن إلى غير أزواجهن، حِسان الأعين، كأنهن بَيْض مصون لم تمسه الأيدي.
فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن أحوالهم في الدنيا وما كانوا يعانون فيها، وما أنعم الله به عليهم في الجنة، وهذا من تمام الأنس. قال قائل من أهل الجنة: لقد كان لي في الدنيا صاحب ملازم لي.
يقول: كيف تصدِّق بالبعث الذي هو في غاية الاستغراب؟ أإذا متنا وتمزقنا وصرنا ترابًا وعظامًا، نُبعث ونُحاسب ونُجازى بأعمالنا؟
قال هذا المؤمن الذي أُدخل الجنة لأصحابه: هل أنتم مُطَّلعون لنرى مصير ذلك القرين؟ فاطلع فرأى قرينه في وسط النار.
قال المؤمن لقرينه المنكر للبعث: لقد قاربْتَ أن تهلكني بصدك إياي عن الإيمان لو أطعتك. ولولا فضل ربي بهدايتي إلى الإيمان وتثبيتي عليه، لكنت من المحضرين في العذاب معك.
أحقًّا أننا مخلَّدون منعَّمون، فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى في الدنيا، وما نحن بمعذَّبين بعد دخولنا الجنة؟ إنَّ ما نحن فيه من نعيم لهُوَ الظَّفَر العظيم.
لمثل هذا النعيم الكامل، والخلود الدائم، والفوز العظيم، فليعمل العاملون في الدنيا؛ ليصيروا إليه في الآخرة.
أذلك الذي سبق وصفه مِن نعيم الجنة خير ضيافة وعطاء من الله، أم شجرة الزقوم الخبيثة الملعونة، طعام أهل النار؟
إنا جعلناها فتنة افتتن بها الظالمون لأنفسهم بالكفر والمعاصي، وقالوا مستنكرين: إن صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر.
إنها شجرة تنبت في قعر جهنم، ثمرها قبيح المنظر كأنه رؤوس الشياطين، فإذا كانت كذلك فلا تَسْألْ بعد هذا عن طعمها، فإن المشركين لآكلون من تلك الشجرة فمالئون منها بطونهم. ثم إنهم بعد الأكل منها لشاربون شرابًا خليطًا قبيحًا حارًّا، ثم إن مردَّهم بعد هذا العذاب إلى عذاب النار.
إنهم وجدوا آباءهم على الشرك والضلال، فسارعوا إلى متابعتهم على ذلك.
ولقد ضلَّ عن الحق قبل قومك -أيها الرسول- أكثر الأمم السابقة.
ولقد أرسلنا في تلك الأمم مرسلين أنذروهم بالعذاب فكفروا.
فتأمَّل كيف كانت نهاية تلك الأمم التي أُنذرت، فكفرت؟ فقد عُذِّبت، وصارت للناس عبرة.
إلا عباد الله الذين أخلصهم الله، وخصَّهم برحمته لإخلاصهم له.
ولقد نادانا نبينا نوح؛ لننصره على قومه، فلنعم المجيبون له نحن.
ونجيناه وأهله والمؤمنين معه مِن أذى المشركين، ومن الغرق بالطوفان العظيم.
وجعلنا ذرية نوح هم الباقين بعد غرق قومه.
وأبقينا له ذِكْرًا جميلًا وثناءً حسنًا فيمن جاء بعده من الناس يذكرونه به.
أمان لنوح وسلامة له من أن يُذْكر بسوء في الآخِرين، بل تُثني عليه الأجيال من بعده.
مثل جزاء نوح نجزي كلَّ مَن أحسن من العباد في طاعة الله.
إن نوحًا من عبادنا المصدقين المخلصين العاملين بأوامر الله.
ثم أغرقنا الآخرين المكذبين من قومه بالطوفان، فلم تبق منهم عين تَطْرِف.
وإنَّ من أشياع نوح على منهاجه وملَّته نبيَّ الله إبراهيم، حين جاء ربه بقلب بريء من كل اعتقاد باطل وخُلُق ذميم، حين قال لأبيه وقومه منكرًا عليهم: ما الذي تعبدونه من دون الله؟ أتريدون آلهة مختلَقَة تعبدونها، وتتركون عبادة الله المستحق للعبادة وحده؟ فما ظنكم برب العالمين أنه فاعل بكم إذا أشركتم به وعبدتم معه غيره؟
فنظر إبراهيم نظرة في النجوم -على عادة قومه في ذلك- متفكرًا فيما يعتذر به عن الخروج معهم إلى أعيادهم، فقال لهم: إني مريض. وهذا تعريض منه، فتركوه وراء ظهورهم.
فمال مسرعًا إلى أصنام قومه فقال مستهزئًا بها: ألا تأكلون هذا الطعام الذي يقدمه لكم سدنتكم؟ ما لكم لا تنطقون ولا تجيبون مَن يسألكم؟
فأقبل على آلهتهم يضربها ويكسِّرها بيده اليمنى؛ ليثبت لقومه خطأ عبادتهم لها.
فأقبلوا إليه يَعْدُون مسرعين غاضبين.
فلقيهم إبراهيم بثبات قائلًا: كيف تعبدون أصنامًا تنحتونها أنتم، وتصنعونها بأيديكم، وتتركون عبادة ربكم الذي خلقكم، وخلق عملكم؟
فلما قامت عليهم الحجة لجؤوا إلى القوة، وقالوا: ابنوا له بنيانًا، واملؤوه حطبًا، ثم ألقوه فيه.
فأراد قوم إبراهيم به كيدًا لإهلاكه، فجعلناهم المقهورين المغلوبين، وردَّ الله كيدهم في نحورهم، وجعل النار على إبراهيم بردًا وسلامًا.
وقال إبراهيم: إني مهاجر إلى ربي من بلد قومي إلى حيث أتمكن من عبادة ربي؛ فإنه سيدلني على الخير في ديني ودنياي. رب أعطني ولدًا صالحًا.
فأجبنا له دعوته، وبشَّرناه بغلام حليم، أي: يكون حليمًا في كبره، وهو إسماعيل.
فلما كَبِر إسماعيل ومشى مع أبيه قال له أبوه: إني أرى في المنام أني أذبحك، فما رأيك؟ (ورؤيا الأنبياء حق) فقال إسماعيل مُرْضيًا ربه، بارًّا بوالده، معينًا له على طاعة الله: أمض ما أمرك الله به مِن ذبحي، ستجدني -إن شاء الله- صابرًا طائعًا محتسبًا.
فلما استسلما لأمر الله وانقادا له، وألقى إبراهيم ابنه على جبينه -وهو جانب الجبهة- على الأرض؛ ليذبحه.
ونادينا إبراهيم في تلك الحالة العصيبة: أن يا إبراهيم، قد فعلتَ ما أُمرت به وصَدَّقْتَ رؤياك، إنا كما جزيناك على تصديقك نجزي الذين أحسنوا مثلك، فنخلِّصهم من الشدائد في الدنيا والآخرة.
إن الأمر بذبح ابنك هو الابتلاء الشاق الذي أبان عن صدق إيمانك.
واستنقذنا إسماعيل، فجعلنا بديلًا عنه كبشًا عظيمًا.
وأبقينا لإبراهيم ثناءً حسنًا في الأمم بعده.
تحيةٌ لإبراهيم من عند الله، ودعاءٌ له بالسلامة من كل آفة.
كما جزينا إبراهيم على طاعته لنا وامتثاله أمرنا، نجزي المحسنين من عبادنا.
إنه من عبادنا المؤمنين الذين أعطَوا العبودية حقها.
وبشَّرنا إبراهيم بولده إسحاق نبيًّا من الصالحين؛ جزاء له على صبره ورضاه بأمر ربه، وطاعته له.
وأنزلنا عليهما البركة. ومِن ذريتهما من هو مطيع لربه، محسن لنفسه، ومَن هو ظالم لها ظلمًا بيِّنًا بكفره ومعصيته.
ولقد مننّا على موسى وهارون بالنبوة والرسالة، ونجيناهما وقومهما من الغرق، وما كانوا فيه من عبودية ومَذلَّة.
ونصرناهم، فكانت لهم العزة والنصرة والغلبة على فرعون وآله.
وآتيناهما التوراة البينة، وهديناهما الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام دين الله الذي ابتعث به أنبياءه، وأبقينا لهما ثناءً حسنًا وذكرًا جميلًا فيمن بعدهما.
تحيةٌ لموسى وهارون من عند الله، وثناءٌ ودعاءٌ لهما بالسلامة من كل آفة، كما جزيناهما الجزاء الحسن نجزي المحسنين من عبادنا المخلصين لنا بالصدق والإيمان والعمل. إنهما من عبادنا الراسخين في الإيمان.
وإن عبدنا إلياس لمن الذين أكرمناهم بالنبوة والرسالة، إذ قال لقومه من بني إسرائيل: اتقوا الله وحده وخافوه، ولا تشركوا معه غيره، كيف تعبدون صنمًا ضعيفًا مخلوقًا، وتتركون أحسنَ الخالقين -المتصفَ بأحسن الصفات وأكملها، فلا تعبدونه!- اللهَ ربَّكم الذي خلقكم، وخلق آباءكم الماضين قبلكم؟
فكذب قوم إلياس نبيهم، فليجمعنهم الله يوم القيامة للحساب والعقاب، إلا عباد الله الذين أخلصوا دينهم لله، فإنهم ناجون من عذابه.
وجعلنا لإلياس ثناءً جميلًا في الأمم بعده. تحية من الله، وثناءٌ على إلياس. وكما جزينا إلياس الجزاء الحسن على طاعته، نجزي المحسنين من عبادنا المؤمنين. إنه من عباد الله المؤمنين المخلصين له العاملين بأوامره.
وإن عبدنا لوطًا اصطفيناه، فجعلناه من المرسلين، إذ نجيناه وأهله أجمعين من العذاب، إلا عجوزًا هَرِمة، هي زوجته، هلكت مع الذين هلكوا من قومها لكفرها.
ثم أهلكنا الباقين المكذبين من قومه.
وإنكم -يا أهل «مكة»- لتمرون في أسفاركم على منازل قوم لوط وآثارهم وقت الصباح، وتمرون عليها ليلًا. أفلا تعقلون، فتخافوا أن يصيبكم مثل ما أصابهم؟
وإن عبدنا يونس اصطفيناه وجعلناه من المرسلين، إذ هرب من بلده غاضبًا على قومه، وركب سفينة مملوءة ركابًا وأمتعة.
وأحاطت بها الأمواج العظيمة، فاقترع ركاب السفينة لتخفيف الحمولة خوف الغرق، فكان يونس من المغلوبين بالقُرْعة.
فأُلقي في البحر، فابتلعه الحوت، ويونس عليه السلام آتٍ بما يُلام عليه.
فلولا ما تقدَّم له من كثرة العبادة والعمل الصالح قبل وقوعه في بطن الحوت، وتسبيحه، وهو في بطن الحوت بقوله: ﴿لّآ إِلَٰهَ إِلّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾؛ لمكث في بطن الحوت، وصار له قبرًا إلى يوم القيامة.
فطرحناه من بطن الحوت، وألقيناه في أرض خالية عارية من الشجر والبناء، وهو ضعيف البدن.
وأنبتنا عليه شجرة من القَرْع تظلُّه، وينتفع بها.
وأرسلناه إلى مائة ألف من قومه بل يزيدون، فصدَّقوا وعملوا بما جاء به، فمتعناهم بحياتهم إلى وقت بلوغ آجالهم.
فاسأل -أيها الرسول- قومك: كيف جعلوا لله البنات اللاتي يكرهونهنَّ، ولأنفسهم البنين الذين يريدونهم؟
واسألهم أخَلَقْنا الملائكة إناثًا، وهم حاضرون؟
وإنَّ مِن كذبهم قولهم: ولَد الله، وإنهم لكاذبون؛ لأنهم يقولون ما لا يعلمون.
لأي شيء يختار الله البنات دون البنين؟
بئس الحكم ما تحكمونه -أيها القوم- أن يكون لله البنات ولكم البنون، وأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم.
أفلا تذكرون أنه لا يجوز ولا ينبغي أن يكون له ولد؟ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
بل ألكم حجة بيِّنة على قولكم وافترائكم؟
إن كانت لكم حجة في كتاب من عند الله فأتوا بها، إن كنتم صادقين في قولكم؟
وجعل المشركون بين الله والملائكة قرابة ونسبًا، ولقد علمت الملائكة أن المشركين محضرون للعذاب يوم القيامة.
تنزَّه الله عن كل ما لا يليق به ممّا يصفه به الكافرون.
لكن عباد الله الذين اصطفاهم لعبادته لا يصفونه إلا بما يليق بجلاله سبحانه.
فإنكم -أيها المشركون بالله- وما تعبدون من دون الله من آلهة، ما أنتم بمضلِّين أحدًا إلا مَن قدَّر الله عز وجل عليه أن يَصْلى الجحيم؛ لكفره وظلمه.
قالت الملائكة: وما منا أحدٌ إلا له مقام في السماء معلوم، وإنا لنحن الواقفون صفوفًا في عبادة الله وطاعته، وإنا لنحن المنزِّهون الله عن كل ما لا يليق به.
وإن كفار «مكة» ليقولون قبل بعثتك -أيها الرسول-: لو جاءنا من الكتب والأنبياء ما جاء الأولين قبلنا، لكنا عباد الله الصادقين في الإيمان، المخلَصين في العبادة.
فلما جاءهم ذكر الأولين، وعلم الآخرين، وأكمل الكتب، وأفضل الرسل، وهو محمد ﷺ، كفروا به، فسوف يعلمون ما لهم من العذاب في الآخرة.
ولقد سبقت كلمتنا -التي لا مردَّ لها- لعبادنا المرسلين، أن لهم النصرة على أعدائهم بالحجة والقوة، وأن جندنا المجاهدين في سبيلنا لهم الغالبون لأعدائهم في كل مقام باعتبار العاقبة والمآل.
فأعرض -أيها الرسول- عَمَّن عاند، ولم يقبل الحق حتى تنقضي المدة التي أمهلهم فيها، ويأتي أمر الله بعذابهم، وأنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب بمخالفتك؟ فسوف يرون ما يحل بهم من عذاب الله.
أفبنزول عذابنا بهم يستعجلونك أيها الرسول؟ فإذا نزل عذابنا بهم، فبئس الصباح صباحهم.
وأعرض عنهم حتى يأذن الله بعذابهم، وأنظرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العذاب والنكال.
تنزَّه الله وتعالى رب العزة عما يصفه هؤلاء المفترون عليه.
وتحية الله الدائمة وثناؤه وأمانه لجميع المرسلين.
والحمد لله رب العالمين في الأولى والآخرة، فهو المستحق لذلك وحده لا شريك له.
• سميت صٓ؛ لافتتاحها بهذا الحرف منفردًا في مطلعها على سبيل التحدِّي والإعجاز.
من مقاصد السورة• التنويه بشأن القرآن، وتوبيخُ المشركين على تكذيبهم وعنادهم للرسول ﷺ، واستبعادُهم واستغرابُهم أن يتنزل الوحي على مثله، والردُّ على شبهتهم في بشريةِ الرسول ﷺ وإنكارِ توحيد الألوهية، وضربُ المثل لأولئك المتكبرين من كفار قريشٍ بمن سبقهم من الأمم العاتية.
• ذكر قصص بعض الأنبياء؛ تسليةً للرسول ﷺ عمّا لقيه من قومه، وليقتدي بالأنبياء قبلَه، وبيان رحمة الله برسله بما أغدق عليهم من الرِّعاية والفضل والإنعام، كلُّ ذلك ردًّا على عَجَبِ الكافرين من اختيار الله لمحمدٍ ﷺ رسولًا من بينهم.
• الحديث عن بعض أهوال يوم القيامة، وجزاءِ المؤمنين المتقين، وضدِّهم من الطاغين الظالمين.
• ذكر قصة آدم، ورفضِ إبليسَ السجودَ له؛ إشارةً إلى أنَّ ما كان من المشركين في تكبرهم واستنكافهم عن أن يكون نزولُ الوحيِ على الرسول ﷺ دونهم؛ إنما هو من وسوسة إبليس، وأنَّ ما فعلوه إنما هو اقتباسٌ من صفاته التي زيَّنها لهم.
[التفسير]﴿صٓۚ﴾ سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة. يقسم الله سبحانه بالقرآن المشتمل على تذكير الناس بما هم عنه غافلون. ولكن الكافرين متكبرون على الحق مخالفون له.
كثيرًا من الأمم أهلكناها قبل هؤلاء المشركين، فاستغاثوا حين جاءهم العذاب ونادوا بالتوبة، وليس الوقت وقت قَبول توبة، ولا وقت فرار وخلاص مما أصابهم.
وعجِب هؤلاء الكفار مِن بعث الله إليهم بشرًا منهم؛ ليدعوهم إلى الله ويخوِّفهم عذابه، وقالوا: إنه ليس رسولًا بل هو كاذب في قوله، ساحر لقومه، كيف يصيِّر الآلهة الكثيرة إلهًا واحدًا؟ إنَّ هذا الذي جاء به ودعا إليه لَشيء عجيب.
وانطلق رؤساء القوم وكبراؤهم يحرِّضون قومهم على الاستمرار على الشرك والصبر على تعدد الآلهة، ويقولون إن ما جاء به هذا الرسول شيء مدبَّر يقصد منه الرئاسة والسيادة، ما سمعنا بما يدعو إليه في دين آبائنا من قريش، ولا في النصرانية، ما هذا إلا كذب وافتراء.
أَخُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من دوننا؟ بل هم في ريب من وحيي إليك -أيها الرسول- وإرسالي لك، بل قالوا ذلك؛ لأنهم لم يذوقوا عذاب الله، فلو ذاقوا عذابه لما تجرؤوا على ما قالوا.
أم هم يملكون خزائن فضل ربك العزيز في سلطانه، الوهاب ما يشاء من رزقه وفضله لمن يشاء من خلقه؟
أم لهؤلاء المشركين مُلْك السموات والأرض وما بينهما، فيُعْطوا ويَمْنعوا؟ فليأخذوا بالأسباب الموصلة لهم إلى السماء، حتى يحكموا بما يريدون من عطاء ومنع.
هؤلاء الجند المكذِّبون جند مهزومون، كما هُزم غيرهم من الأحزاب قبلهم، كذَّبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون صاحب القوة العظيمة، وثمود وقوم لوط وأصحاب الأشجار والبساتين وهم قوم شعيب. أولئك الأمم الذين تَحزَّبوا على الكفر والتكذيب واجتمعوا عليه. إنْ كلٌّ مِن هؤلاء إلا كذَّب الرسل، فاستحقوا عذاب الله، وحلَّ بهم عقابه.
وما ينتظر هؤلاء المشركون لحلول العذاب عليهم إن بقوا على شركهم، إلا نفخة واحدة ما لها من رجوع.
وقالوا: ربنا عجِّل لنا نصيبنا من العذاب في الدنيا قبل يوم القيامة، وكان هذا استهزاءً منهم.
اصبر -أيها الرسول- على ما يقولونه مما تكره، واذكر عبدنا داود صاحب القوة على أعداء الله والصبر على طاعته، إنه توّاب كثير الرجوع إلى ما يرضي الله. وفي هذا تسلية للرسول ﷺ.
إنا سخَّرنا الجبال مع داود يسبِّحن بتسبيحه أول النهار وآخره، وسخَّرنا الطير معه مجموعة تسبِّح، وتطيع تبعًا له.
وقَوَّينا له ملكه بالهيبة والقوة والنصر، وآتيناه النبوة، والفصل في الكلام والحكم.
وهل جاءك -أيها الرسول- خبر المتخاصِمَين اللذَين تسوَّرا على داود في مكان عبادته، فارتاع من دخولهما عليه؟ قالوا له: لا تَخَفْ، فنحن خصمان ظلم أحدنا الآخر، فاقض بيننا بالعدل، ولا تَجُرْ علينا في الحكم، وأرشِدنا إلى سواء السبيل.
قال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون من النعاج، وليس عندي إلا نعجة واحدة، فطمع فيها، وقال: أعطنيها، وغلبني بحجته.
قال داود: لقد ظلمك أخوك بسؤاله ضم نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيرًا من الشركاء ليعتدي بعضهم على بعض، ويظلمه بأخذ حقه وعدم إنصافه مِن نفسه إلا المؤمنين الصالحين، فلا يبغي بعضهم على بعض، وهم قليل. وأيقن داود أننا فتنّاه بهذه الخصومة، فاستغفر ربه، وسجد تقربًا لله، ورجع إليه وتاب.
فغفرنا له ذلك، وجعلناه من المقرَّبين عندنا، وأعددنا له حسن المصير في الآخرة.
يا داود إنا استخلفناك في الأرض وملَّكناك فيها، فاحكم بين الناس بالعدل والإنصاف، ولا تتبع الهوى في الأحكام، فيُضلك ذلك عن دين الله وشرعه، إن الذين يَضِلُّون عن سبيل الله لهم عذاب أليم في النار؛ بغفلتهم عن يوم الجزاء والحساب. وفي هذا توصية لولاة الأمر أن يحكموا بالحق المنزل من الله تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه، فيضلوا عن سبيله.
وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما عبثًا ولهوًا، ذلك ظنُّ الذين كفروا، فويل لهم من النار يوم القيامة؛ لظنهم الباطل، وكفرهم بالله.
أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل أهل التقوى المؤمنين كأصحاب الفجور الكافرين؟ هذه التسوية غير لائقة بحكمة الله وحُكْمه، فلا يستوون عند الله، بل يثيب الله المؤمنين الأتقياء، ويعاقب المفسدين الأشقياء.
هذا الموحى به إليك -أيها الرسول- كتاب أنزلناه إليك مبارك؛ ليتفكروا في آياته، ويعملوا بهداياته ودلالاته، وليتذكر أصحاب العقول السليمة ما كلفهم الله به.
ووهبنا لداود ابنه سليمان، فأنعمنا به عليه، وأقررنا به عينه، نِعْم العبد سليمان، إنه كان كثير الرجوع إلى الله والإنابة إليه.
اذكر حين عُرِضت عليه عصرًا الخيول الأصيلة السريعة، تقف على ثلاث قوائم وترفع الرابعة؛ لنجابتها وخفتها، فما زالت تُعرض عليه حتى غابت الشمس.
فقال: إنني آثرت حب الخيل عن ذكر ربي حتى غابت الشمس عن عينيه، رُدُّوا عليَّ الخيل التي عُرضت من قبل، فرُدَّت عليه، فشرع يضرب سيقانها ورقابها بالسيف؛ قربةً لله، لأنها كانت سبب فوات صلاته. وكان التقرُّب بذبح الخيل مشروعًا في شريعته.
ولقد ابتلينا سليمان وألقينا على كرسيه شق وَلَد، وُلِد له حين أقسم ليطوفنَّ على نسائه، وكلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن جميعًا، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد، ثم رجع سليمان إلى ربه وتاب، قال: رب اغفر لي ذنبي، وأعطني مُلكًا عظيمًا خاصًّا لا يكون مثله لأحد من البشر بعدي، إنك -سبحانك- كثير الجود والعطاء. فاستجبنا له، وذللنا الريح تجري بأمره طيِّعة مع قوتها وشدتها حيث أراد.
وسخَّرنا له الشياطين يستعملهم في أعماله: فمنهم البناؤون والغوّاصون في البحار، وآخرون وهم مردة الشياطين، موثوقون في الأغلال. هذا المُلْك العظيم والتسخير الخاص عطاؤنا لك يا سليمان، فأعط مَن شئت أو امنع مَن شئت، لا حساب عليك.
وإن لسليمان عندنا في الدار الآخرة لَقربةً وحسن مرجع.
واذكر -أيها الرسول- عبدنا أيوب، حين دعا ربه أن الشيطان تسبب لي بتعب ومشقة، وألم في جسدي ومالي وأهلي.
فقلنا له: اضرب برجلك الأرض ينبع لك منها ماء بارد، فاشرب منه، واغتسِلْ فيذهب عنك الضر والأذى.
فكشفنا عنه ضره وأكرمناه ووهبنا له أهله مِن زوجة وولد، وزدناه مثلهم بنين وحفدة، كل ذلك رحمة منّا به وإكرامًا له على صبره، وعبرة وذكرى لأصحاب العقول السليمة؛ ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج وكشف الضر.
وقلنا له: خذ بيدك حُزمة من الحشيش ونحوه، فاضرب بها زوجك إبرارًا بيمينك، فلا تحنث؛ إذ أقسم ليضربنَّها مائة جلدة إذا شفاه الله، لمّا غضب عليها من أمر يسير أثناء مرضه، وكانت امرأة صالحة، فرحمها الله ورحمه بهذه الفتوى. إنا وجدنا أيوب صابرًا على البلاء، نِعم العبد هو، إنه رجّاع إلى طاعة الله.
واذكر -أيها الرسول- عبادنا وأنبياءنا: إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ فإنهم أصحاب قوة في طاعة الله، وبصيرة في دينه.
إنا خصصناهم بخاصة عظيمة، حيث جعلنا ذكرى الدار الآخرة في قلوبهم، فعملوا لها بطاعتنا، ودعوا الناس إليها، وذكَّروهم بها. وإنهم عندنا لمن الذين اصطفيناهم لرسالتنا، واخترناهم لطاعتنا.
واذكر -أيها الرسول- عبادنا: إسماعيل، واليسع، وذا الكفل، بأحسن الذكر؛ إنَّ كُلًّا منهم من الأخيار الذين اختارهم الله من الخلق، واختار لهم أكمل الأحوال والصفات.
هذا القرآن ذِكْر وشرف لك -أيها الرسول- ولقومك. وإن لأهل تقوى الله وطاعته لَحسنَ مصير عندنا في جنات إقامة، مفتَّحة لهم أبوابها، متكئين فيها على الأرائك المزيَّنات، يطلبون ما يشتهون من أنواع الفواكه الكثيرة والشراب، من كل ما تشتهيه نفوسهم، وتلذه أعينهم.
وعندهم نساء قاصرات أبصارهن على أزواجهن متساويات في السن.
هذا النعيم هو ما توعدون به -أيها المتقون- يوم القيامة، إنه لَرزقنا لكم، ليس له فناء ولا انقطاع.
هذا الذي سبق وصفه للمتقين. وأما المتجاوزون الحدَّ في الكفر والمعاصي، فلهم شر مرجع ومصير، وهو النار يُعذَّبون فيها، تغمرهم من جميع جوانبهم، فبئس الفراش فراشهم.
هذا العذاب ماء شديد الحرارة، وصديد سائل من أجساد أهل النار فليشربوه، ولهم عذاب آخر من هذا القبيل أصناف وألوان.
وعند توارد الطاغين على النار يَشْتُم بعضهم بعضًا، ويقول بعضهم لبعض: هذه جماعة عظيمة من أهل النار داخلة معكم، فيجيبون: لا مرحبًا بهم، ولا اتسعت منازلهم في النار، إنهم مقاسون حرَّ النار كما قاسيناها.
قال فوج الأتباع للطاغين: بل أنتم لا مرحبًا بكم؛ لأنكم قدَّمتم لنا سكنى النار لإضلالكم لنا في الدنيا، فبئس دار الاستقرار جهنم.
قال فوج الأتباع: ربنا مَن أضلَّنا في الدنيا عن الهدى فضاعِف عذابه في النار.
وقال الطاغون: ما بالنا لا نرى معنا في النار رجالًا كنا نعدهم في الدنيا من الأشرار الأشقياء؟ هل تحقيرنا لهم واستهزاؤنا بهم خطأ، أو أنهم معنا في النار، لكن لم تقع عليهم الأبصار؟
إن ذلك من جدال أهل النار وخصامهم حقٌّ واقع لا مرية فيه.
قل -أيها الرسول- لقومك: إنما أنا منذر لكم من عذاب الله أن يحل بكم؛ بسبب كفركم به، ليس هناك إله مستحق للعبادة إلا الله وحده، فهو المتفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله، القهّارُ الذي قهر كل شيء وغلبه.
مالك السموات والأرض وما بينهما العزيز في انتقامه، الغفار لذنوب مَن تاب وأناب إلى مرضاته.
قل -أيها الرسول- لقومك: إن هذا القرآن خبر عظيم النفع. أنتم عنه غافلون منصرفون، لا تعملون به.
ليس لي علم باختصام ملائكة السماء في شأن خلق آدم، لولا تعليم الله إياي، وإيحاؤه إليَّ.
ما يوحي الله إليَّ مِن عِلْم ما لا علم لي به إلا لأني نذير لكم من عذابه، مبيِّن لكم شرعه.
اذكر لهم -أيها الرسول-: حين قال ربك للملائكة: إني خالق بشرًا من طين. فإذا سوَّيت جسده وخلقه ونفخت فيه الروح، فدبت فيه الحياة، فاسجدوا له سجود تحية وإكرام، لا سجود عبادة وتعظيم؛ فالعبادة لا تكون إلا لله وحده. وقد حرَّم الله في شريعة الإسلام السجود للتحية.
فسجد الملائكة كلهم أجمعون طاعة وامتثالًا غير إبليس؛ فإنه لم يسجد أنَفَةً وتكبرًا، وكان من الكافرين في علم الله تعالى.
قال الله لإبليس: ما الذي منعك من السجود لمن أكرمتُه فخلقتُه بيديَّ؟ أستكبرت على آدم، أم كنت من المتكبرين على ربك؟ وفي الآية إثبات صفة اليدين لله تبارك وتعالى، على الوجه اللائق به سبحانه.
قال إبليس معارضًا لربه: لم أسجد له؛ لأنني أفضل منه، حيث خلقتني من نارٍ، وخلقته من طين. والنار خير من الطين.
قال الله له: فاخرج من الجنة فإنك مرجوم بالقول، مدحور ملعون، وإن عليك طردي وإبعادي إلى يوم الجزاء والحساب.
قال إبليس: ربِّ فأخِّر أجلي، ولا تهلكني إلى حين تَبعث الخلق من قبورهم.
قال الله له: فإنك من المؤخَّرين إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم النفخة الأولى عندما تموت الخلائق.
قال إبليس: فبعزتك -يا رب- وعظمتك لأضلنَّ بني آدم أجمعين، إلا مَن أخلصتَه منهم لعبادتك، وعصمتَه من إضلالي، فلم تجعل لي عليهم سبيلًا.
قال الله: فالحقُّ مني، ولا أقول إلا الحق، لأملأن جهنم منك ومن ذريتك وممن تبعك من بني آدم أجمعين.
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين من قومك: لا أطلب منكم أجرًا أو جزاءً على دعوتكم وهدايتكم، ولا أدَّعي أمرًا ليس لي، بل أتبع ما يوحى إليَّ، ولا أتكلف تخرُّصًا وافتراءً.
ما هذا القرآن إلا تذكير للعالمين من الجن والإنس، يتذكرون به ما ينفعهم من مصالح دينهم ودنياهم.
ولتعلمن -أيها المشركون- خبر هذا القرآن وصدقه، حين يَغْلب الإسلام، ويدخل الناس فيه أفواجًا، وكذلك حين يقع عليكم العذاب، وتنقطع عنكم الأسباب.
• سميت الزمر؛ لأن الله تعالى ذكر فيها زمر السعداء وهم أهل الجنة، وزمر الأشقياء وهم أهل النّار.
من مقاصد السورة• ذكرُ شبهةٍ من شبهات المشركين في عبادتهم غيرَ الله من الأوثان، وإبطالُ تلك الشبهة، ونفيُ ضَربٍ من ضروب الشرك؛ وهو زعمهم أنَّ لله - سبحانه وتعالى - ولدًا، والاستدلالُ عليهم من فعلهم؛ وهو التجاؤُهم إلى الله عندما يصيبُهم الضُّرُّ.
• بيان الأدلةِ والبراهين على وحدانية رب العالمين؛ في إبداع السموات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وتسخيرِ الشمس والقمر، والخلقِ العجيب للإنسان، وخلقِ الأنعام وتنويعها، وكلها براهينُ ساطعةٌ على قدرة الله ووحدانيته، تستوجب الشُّكران لا النُّكران.
• توجيهُ الرسول ﷺ إلى إعلان كلمة التوحيد الخالصة، وإعلانِ خوفه من معصية الله وتصميمه على منهجه، والمقابلةُ بين حال المشركين وحالِ المؤمنين المخلصين لله، وتمثيلُ حال الفريقين في الدنيا والآخرة.
• التنويهُ بشأن القرآن، وأنه منزلٌ من عند الله، والدعوةُ إلى التدبر والتفكرِ فيه.
• بيان الفارق بين مَن يعبدُ اللهَ ومَن يعبدُ آلهة سواه، وإعلامُ المشركين بأنَّهم وشركاءَهم لا يُعبَأ بهم عند الله ولا عند رسوله ﷺ، ومحاورتُهم في بُطلان آلهتهم المزعومة، وتحذيرُهم من أن يحلَّ بهم ما حلَّ بأهل الشرك من الأمم الماضية، وبيان عِظَمِ الشِّركِ والتخويفُ منه، وأنه محبطٌ لجميع الأعمال.
• وصفُ يوم القيامة، وبيانُ حال المؤمنين المصدقين، والكافرين المكذبين.
[التفسير]تنزيل القرآن إنما هو من الله العزيز في قدرته وانتقامه، الحكيم في تدبيره وأحكامه.
إنا أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن يأمر بالحق والعدل، فاعبد الله وحده، وأخلص له جميع دينك.
ألا لله وحده الطاعة التامة السالمة من الشرك، والذين أشركوا مع الله غيره واتخذوا من دونه أولياء، قالوا: ما نعبد تلك الآلهة مع الله إلا لتشفع لنا عند الله، وتقربنا عنده منزلة، فكفروا بذلك؛ لأن العبادة والشفاعة لله وحده، إن الله يفصل بين المؤمنين المخلصين والمشركين مع الله غيره يوم القيامة فيما يختلفون فيه من عبادتهم، فيجازي كُلًّا بما يستحق. إن الله لا يوفق للهداية إلى الصراط المستقيم من هو مفترٍ على الله، كَفّار بآياته وحججه.
لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لاختار من مخلوقاته ما يشاء، تنزَّه الله وتقدَّس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، القهّار الذي قهر خلقه بقدرته، فكل شيء له متذلل خاضع.
خلق الله السموات والأرض وما فيهما بالحق، يجيء بالليل ويذهب بالنهار، ويجيء بالنهار ويذهب بالليل، وذلَّل الشمس والقمر بانتظام لمنافع العباد، كل منهما يجري في مداره إلى حين قيام الساعة. ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم على خلقه بهذه النعم هو العزيز على خلقه، الغفار لذنوب عباده التائبين.
خلقكم ربكم -أيها الناس- من آدم، وخلق منه زوجه، وخلق لكم من الأنعام ثمانية أنواع ذكرًا وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز، يخلقكم في بطون أمهاتكم طورًا بعد طور من الخلق في ظلمات البطن، والرحم، والمَشِيمَة، ذلكم الله الذي خلق هذه الأشياء، ربكم المتفرد بالملك المتوحد بالألوهية المستحق للعبادة وحده، فكيف تعدلون عن عبادته إلى عبادة غيره مِن خلقه؟
إن تكفروا -أيها الناس- بربكم ولم تؤمنوا به، ولم تتبعوا رسله، فإنه غنيٌّ عنكم، ليس بحاجة إليكم، وأنتم الفقراء إليه، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمرهم به، وإنما يرضى لهم شكر نعمه عليهم. ولا تحمل نفس إثم نفس أخرى، ثم إلى ربكم مصيركم، فيخبركم بعملكم، ويحاسبكم عليه. إنه عليم بأسرار النفوس وما تخفي الصدور.
وإذا أصاب الإنسانَ بلاءٌ وشدة ومرض تَذكَّر ربه، فاستغاث به ودعاه، ثم إذا أجابه وكشف عنه ضرَّه، ومنحه نِعَمه، نسي دعاءه لربه عند حاجته إليه، وأشرك معه غيره؛ ليُضل غيره عن الإيمان بالله وطاعته، قل له -أيها الرسول- متوعدًا: تمتع بكفرك قليلًا حتى موتك وانتهاء أجلك، إنك من أهل النار المخلَّدين فيها.
أهذا الكافر المتمتع بكفره خير، أم من هو عابد لربه طائع له، يقضي ساعات الليل في القيام والسجود لله، يخاف عذاب الآخرة، ويطمعُ في رحمة ربه؟ قل -أيها الرسول-: هل يستوي الذين يعلمون ربهم ودينهم الحق والذين لا يعلمون شيئًا من ذلك؟ لا يستوون. إنما يتذكر ويعرف الفرق أصحاب العقول السليمة.
قل -أيها النبي- لعبادي المؤمنين بالله ورسوله: اتقوا ربكم بطاعته واجتناب معصيته. للذين أحسنوا في هذه الدنيا بعبادة ربهم وطاعته حسنة في الآخرة، وهي الجنة، وحسنة في الدنيا من صحة ورزق ونصر وغير ذلك. وأرض الله واسعة، فهاجِروا فيها إلى حيث تعبدون ربكم، وتتمكنون من إقامة دينكم. إنما يُعطى الصابرون ثوابهم في الآخرة بغير حدٍّ ولا عدٍّ ولا مقدار، وهذا تعظيم لجزاء الصابرين وثوابهم.
قل -أيها الرسول- للناس: إن الله أمرني ومن تبعني بإخلاص العبادة له وحده دون سواه، وأمرني بأن أكون أول من أسلم من أمتي، فخضع له بالتوحيد، وأخلص له العبادة، وبرئ مِن كل ما دونه من الآلهة.
قل -أيها الرسول- للناس: إني أخاف إن عصيت ربي فيما أمرني به من عبادته والإخلاص في طاعته عذاب يوم القيامة، ذلك اليوم الذي يعظم هوله.
قل -أيها الرسول-: إني أعبد الله وحده لا شريك له مخلصًا له عبادتي وطاعتي، فاعبدوا أنتم -أيها المشركون- ما شئتم من دون الله من الأوثان والأصنام وغير ذلك من مخلوقاته، فلا يضرني ذلك شيئًا. وهذا تهديد ووعيد لمن عبد غير الله، وأشرك معه غيره. قل -أيها الرسول-: إن الخاسرين -حقًّا- هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وذلك بإغوائهم في الدنيا وإضلالهم عن الإيمان. ألا إن خسران هؤلاء المشركين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة هو الخسران البيِّن الواضح.
أولئك الخاسرون لهم يوم القيامة في جهنم مِن فوقهم قطع عذاب من النار كهيئة الظُّلل المبنية، ومِن تحتهم كذلك. ذلك العذاب الموصوف يخوِّف الله به عباده؛ ليحْذَروه. يا عباد فاتقوني بامتثال أوامري واجتناب معاصيَّ.
والذين اجتنبوا طاعة الشيطان وعبادة غير الله، وتابوا إلى الله بعبادته وإخلاص الدين له، لهم البشرى في الحياة الدنيا بالثناء الحسن والتوفيق من الله، وفي الآخرة رضوان الله والنعيم الدائم في الجنة. فبشِّر -أيها النبي- عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أرشده. وأحسن الكلام وأرشده كلام الله ثم كلام رسوله ﷺ. أولئك هم الذين وفقهم الله للرشاد والسداد، وهداهم لأحسن الأخلاق والأعمال، وأولئك هم أصحاب العقول السليمة.
أفمن وجبت عليه كلمة العذاب؛ باستمراره على غيِّه وعناده، فإنه لا حيلة لك -أيها الرسول- في هدايته، أفتقدر أن تنقذ مَن في النار؟ لست بقادر على ذلك.
لكن الذين اتقوا ربهم -بطاعته وإخلاص عبادته- لهم في الجنة غرف مبنية بعضها فوق بعض، تجري مِن تحت غرفهم ومنازلهم الأنهار، وعدها الله عباده المتقين وعدًا متحقِّقًا، لا يخلف الله الميعاد.
ألم تر -أيها الرسول- أن الله أنزل من السحاب مطرًا فأدخله في الأرض، وجعله عيونًا نابعة ومياهًا جارية، ثم يُخْرج بهذا الماء زرعًا مختلفًا ألوانه وأنواعه، ثم ييبس بعد خضرته ونضارته، فتراه مصفرًّا لونه، ثم يجعله حطامًا متكسِّرًا متفتتًا؟ إن في فِعْل الله ذلك لَذكرى وموعظة لأصحاب العقول السليمة.
أفمن وسَّع الله صدره، فسعد بقبول الإسلام والانقياد له والإيمان به، فهو على بصيرة من أمره وهدى من ربه، كمن ليس كذلك؟ لا يستوون. فويل وهلاك للذين قَسَتْ قلوبهم، وأعرضت عن ذكر الله، أولئك في ضلال بيِّن عن الحق.
الله تعالى هو الذي نزل أحسن الحديث، وهو القرآن العظيم، متشابهًا في حسنه وإحكامه وعدم اختلافه، تُكَرَّرُ فيه القِصص، والأحكام، والحجج والبينات، وتُعاد تلاوته فلا يُمَلُّ على كثرة التَّرْداد، تقشعرُّ مِن سماعه، وتضطرب جلود الذين يخافون ربهم؛ تأثرًا بما فيه مِن ترهيب ووعيد، ثم تلين جلودهم وقلوبهم؛ استبشارًا بما فيه مِن وعد وترغيب، ذلك التأثر بالقرآن هداية من الله لعباده. والله يهدي بالقرآن مَن يشاء مِن عباده. ومن يضلله الله عن الإيمان بهذا القرآن؛ لكفره وعناده، فما له مِن هاد يهديه ويوفقه.
أفمن يُلْقى في النار مغلولًا -فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه؛ لكفره وضلاله- خير أم من ينعم في الجنة؛ لأن الله هداه؟ وقيل يومئذ للظالمين: ذوقوا وبال ما كنتم في الدنيا تكسِبون من معاصي الله.
كذَّب الذين مِن قبل قومك -أيها الرسول- رسلهم، فجاءهم العذاب من حيث لا يشعرون بمجيئه، فأذاق الله الأمم المكذبة العذاب والهوان في الدنيا، وأعدَّ لهم عذابًا أشد وأشق في الآخرة، لو كان هؤلاء المشركون يعلمون أن ما حلَّ بهم؛ بسبب كفرهم وتكذيبهم لاتَّعظوا.
ولقد ضربنا لهؤلاء المشركين بالله في هذا القرآن من كل مثل من أمثال القرون الخالية تخويفًا وتحذيرًا؛ ليتذكروا فينزجروا عما هم عليه مقيمون من الكفر بالله. وجعلنا هذا القرآن عربيًّا واضح الألفاظ سهل المعاني، لا لَبْس فيه ولا انحراف؛ لعلهم يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
ضرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا لشركاء متنازعين، فهو حيران في إرضائهم، وعبدًا خالصًا لمالك واحد يعرف مراده وما يرضيه، هل يستويان مثلًا؟ لا يستويان، كذلك المشرك هو في حَيْرة وشك، والمؤمن في راحة واطمئنان. فالثناء الكامل التام لله وحده، بل المشركون لا يعلمون الحق فيتبعونه.
إنك -أيها الرسول- ميت وإنهم ميتون، ثم إنكم جميعًا -أيها الناس- يوم القيامة عند ربكم تتنازعون، فيحكم بينكم بالعدل والإنصاف.